Posted by Hadraj Youssef
Categories:
التسميات:
علوم
أعماق المحيطات.. مملكة الغرائب العجيبة
اعداد ـ ملحق علوم وتقنيات
البحار والمحيطات تشكل ما يقرب من ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، والمفاجأة اننا نعرف عن أعماقها أقل بكثير عن ما نعرفه عن الفضاء الخارجي. في مملكة أعماق المحيطات تسود ظروف لا تسمح بتواجد بشري فيها،
إذ يزداد الضغط ليصل إلى 500 بار زئبقي، وتنخفض درجة الحرارة لتصل إلى بضع درجات مئوية، كما يخيم ظلام دامس. وبالرغم من ذلك تتفتح الحياة في هذه الظروف، فلقد أثبتت أبحاث سابقة وجود حيوانات بحرية دقيقة وسرطانات صغيرة معظمها غير معروفة على سطح الأرض.
متد أعماق المحيطات على مساحة مئات الكيلومترات المربعة من الطمي الرخو. وفي هذا الطمي تغوص جثث الحيوانات البحرية الميتة أو الأعشاب المائية والمرجانية وكل ما يُلقى على سطح البحر. وهناك تتحلل الجثث بواسطة كائنات دقيقة لا يزيد طولها عن ميليمترات ومعظمها أعمى وبدون ألوان. وبعض هذه الكائنات الدقيقة يشبه العناكب أو البراغيث، وبعضها الآخر له ما يشبه الزعنفة التي تساعده على إزاحة الطمي. كذلك توجد أنواع منها مجهزة بأذناب مدببة وأنواع أخرى تشبه نجم البحر.
وبرغم الجو الذي يسود في الأعماق فإن لها أهمية كبرى في استمرار الحياة على كوكبنا. فعن طريق تحليلها لما تلقيه الأنهار في البحار والمحيطات تحرر مواد عضوية نافعة وتطلقها لتحملها تيارات الماء إلى السطح فتتغذي عليها الأسماك والأعشاب البحرية. وهكذا فهي تسهم في استمرار الدورة الغذائية على كوكبنا. وقد لاحظ العلماء غزارة الحياة السمكية والبحرية في المناطق التي تتواجد فيها هذه الكائنات الدقيقة، كما هو الحال أمام سواحل أسبانيا الشمالية وناميبيا وبيرو. ويحذر العلماء من تأثير إلقاء المخلفات الكيميائية في البحر على وجود مثل هذه الكائنات الدقيقة.
شلالات ماتحت البحار
ان الاختلاف في درجة حرارة مياه المحيطات والتفاوت في ملوحتها وكثافتها، يشير الى ان عمود الماء في المحيط ليس متجانسا ولكن يعكس اختلافات جوهرية في كتلة المياه بين طبقة واخرى. والاتصال بين الطبقات مختلفة الكثافة يكون غالبا بالقرب من سطح الماء، والتي تكون مناطق انحدارات حرارية او ملوحية.
وتتدخل طبوغرافية اعماق المحيط في حجز كتل المياه التي تتباين في كثافاتها، كما تعمل الجبال على اليابسة بصد الجبهات الهوائية والسحب. وقد ينتج عن هذه الحالة تكون شلالات مائية في اعماق المحيطات، حيث تتكدس المياه ذات الكثافة العالية في جهة معينة من المصدات (الجبال) على ارض المحيط، وتشكل سدا كبيرا جدا يحجز المياه فيه الى ان يصل الى اعلاه، وتنحدر في الجهة الاخرى كشلال كبير لا يمكن تصوره. فالمصد الواقع في المحيط الاطلنطي والذي يقع في مضيق الدنمارك يعمل على حجز المياه الباردة (درجتين مئويتين) ما يؤدي بعد ذلك الى تدفقها بمعدل خمسة ملايين متر مكعب في الثانية ومن علو يبلغ 3.5 كيلومترات ونصف الكيلو. وهذا التدفق الرهيب يجعل جميع الشلالات المعروفة على اليابسة كما لو انها قطرة ماء. حيث ان اعلى شلال على الارض يسمى شلال انجل في فنزويلا، الذي يسقط الماء منه من علو 1 كم. اما شلال جويرا الواقع بين البرازيل والباراغواي، الذي يتسم باعلى معدل لسقوط المياه، فتتدفق فيه المياه بمعدل يصل الى 13 الف متر مكعب في الثانية فقط.
عجائب في أعماق المحيطات
في أعماق المحيطات يخيم جو من الظلام الدامس والحرارة المنخفضة التي لا تتجاوز الدرجتين فوق الصفر، ويبلغ الضغط حداً يشعر المرء انه يحمل 600 كيلوجرام فوق كل سنتيمتر مربع من جسمه! ومن هنا يعتقد المرء للوهلة الاولى ان الحياة في هذا العالم تبدو مستحيلة! ولابد لنا قبل الغوص في اعماق ذلك العالم، ان نعرج على الطبيعة الجيولوجية التي تتوارى عن اعيننا، فعلى عمق اكثر من 4000 متر تحت سطح البحر يقابلنا قاع المحيط المليء بالصدوع التي يصل طول بعضها الى اكثر من 550 كيلومتراً وبالتلال والمسطحات وبعدد لا حصر له من البراكين الى درجة ان بعض هذه البراكين خرق سطح البحر ونافس في ارتفاعه البراكين القارية، كبركان مونا لويا في هاواي الذي يزيد ارتفاعه على 9100 متر.
الشيء المثير للدهشة والعجب ان ثمة سلاسل جبلية يصل ارتفاعها تحت قاع المحيط الى 2500 متر في حين يصل عرضها الى مئات الكيلومترات اما طولها فيبلغ 60 الف كيلومتر. وفيما يتعلق بالحفر التي يصفها بعض العلماء بأبواب جهنم، فتمتد في الاعماق الى مستوى يصل الى 11 الف متر تحت قاع المحيط كحفرة ماريان الواقعة في المحيط الهادي.
في هذا العالم متعدد التضاريس، تعيش طائفة من الكائنات البحرية التي يصفها البعض بالوحوش نظرا لاشكالها الغريبة والمخيفة في بعض الاحيان، وأول هذه الكائنات نوع من الأسماك يسمى بالخرافة وهو اسم يتناسب بلا شك مع المكان الخرافي الذي تعيش فيه، والخرافة جنس من الأسماك تتميز بلونها الفضي وذنبها المستطيل وعيونها الواسعة وتكثر الخرافة بين اعماق تتراوح بين 200 و1000 متر أي في اعماق يقل فيها ضوء الشمس ويشير العلماء الى ان عيون الخرافة مكونة بطريقة تجعلها تلتقط أقل شعاع ممكن من الضوء، وهي بفضل عيونها تستطيع التقاط الأسماك الصغيرة والديدان علاوة على انها لا تتحرك في المياه بل تثبت في مكانها وتحرك زعانفها فقط كأجنحة الطيور!. أما الكائن البحري التالي فليس اسمه اقل غرابة من الاول، اذ يسمى عفريت البحر، وهذا النوع معروف بكبر حجم الرأس والجسم معا، ولو تعرض العفريت لنقص في الغذاء، فيلجأ بسرعة للحيلة، فهو يملك عصا (صنارة صيد) طبيعية في مقدمة أنفه ويوجد في قمة هذه الصنارة الطبيعية زائدة لحمية محشوة بنوع من البكتيريا المضيئة التي تستخدم في العادة كطعم للايقاع بالفريسة اذ يكفي ان تقترب هذه حتى تنتهي في فم السمكة العفريت المليء بأسنان مسننة حادة جدا، المدهش في الامر ان طول هذه السمكة لا يتعدى العشرين سنتيمتراً.
وحش آخر متخصص في فن التخفي يسمى بالسمك اللامع، ويتميز هذا النوع، بامتلاكه القدرة على ضبط شدة الاضاءة الصادرة عن جسمه وذلك بسبب امتلاكه اعضاء تنتج الضوء، ويعيش السمك اللامع في اعماق تتراوح بين 300 و1000 متر تحت سطح البحر اي في المنطقة التي تبدأ فيها اشعة الشمس بالتلاشي. ومن هنا نجد هذا السمك يستطيع ضبط الضوء الصادر من جسمه بطريقة تجعل الأسماك الاخرى المفترسة غير قادرة على التعرف عليه باعتباره مجرد نور عادي منعكس من السطح!.
طعام الأعماق
وربما نتساءل عن الطريقة التي تتغذى بها الكائنات البحرية التي تعيش في الاعماق، وفي هذا الصدد نجد ان النباتات البحرية تأتي في قاعدة الهرم الغذائي وذلك بفضل عملية التمثيل الضوئي التي تساهم بشكل اساسي في تكوين ما يسمى بالعوالق النباتية (الفيتوبلانكتون) ونظرا لاحتواء هذه العوالق الميكروسكوبية على مادة الكلوروفيل بنسبة كبيرة، فإن التقاطها للضوء يساعدها على تحويل الماء والاملاح المعدنية وثاني أكسيد الكربون الى جزيئين ضرورين للحياة هما الاوكسجين والجزئيات العضوية (السكر والاحماض الأمينية والاحماض الدهنية) وتستخدم النباتات هذه الجزيئات لتكوين غذائها الخاص الذي سيتم استخدامه فيما بعد من قبل الحيوانات، اما الاوكسجين المحرر في الماء فإنه يسمح لمجموعة الكائنات البحرية بالتنفس.
واحات البحرية
تشبه الى حد بعيد الواحات الصحراوية، لكنها هنا عبارة عن مصادر مائية حرارية تنبثق عند عمق يبلغ 2500 متر ويقول العلماء طبقا لدراساتهم ان المادة الحية عند هذه الاعماق تزيد على 10 الى 100 ألف مرة عما هو موجود في مكان آخر في اعماق المحيطات، وفي بعض الاحيان نجد بعضا من هذه المصادر المائية الحرارية ينبثق بقوة حتى يصل الى ارتفاعات تصل الى 20 مترا وفي هذه الحالة يطلق العلماء تعبير المأرضة او (وكر الارض الاسود) ويصف العلماء هذا الوكر بالاسود، لأن السائل المنبثق منه يكون ممزوجا بمركبات معدنية داكنة تصل الى حد السواد، وفي العادة يظهر عند حواف هذا الوكر الارضي المحيطي نوع من الحياة يضم أنواعا من المحار المعروف “بالقفالة” نظرا لانه دائم الاقفال،
وبلح البحر والديدان الطويلة والسلطعون والقشريات وعدد كبير من الأسماك.
والجدير بالذكر ان المياه المنبعثة من هذه المصادر تكون في العادة حمضية ومليئة بمواد سامة كالهيدروجين المكبرت الذي تصل حرارته الى 350 درجة مئوية، ما يعني انه لا يوجد حيوان قادر على مقاومة هذه الحرارة، ولذا فإن الماء الخارج يذوب بسرعة من مياه البحر الجليدية عند تلك الاعماق وتهبط درجة حرارته الى 10 درجات مئوية فقط، وكلما ابتعدنا عن المصدر قلت نسبة السمية في الماء، الأمر الذي يجعل العديد من الحيوانات البحرية القادرة على تحمل الحرارة والسمية القليلة، ان تتخذ لنفسها وكرا للبحث عن الغذاء.
وهناك نوع من الديدان المعروفة علميا باسم “الفينيلا”، تفضل البقاء عند خاصرة المصدر المائي الساخن وذلك في المكان الذي يلتقي فيه مع المياه الباردة في المحيط حيث تكون نسبة الاكسجين والمواد السامة متغيرة باستمرار، وحتى الآن لا يعرف العلماء كائنا بحريا يستطيع تحمل الصدمة الحرارية في هذه المنطقة سوى هذا النوع من الديدان، فهبوط حرارة المياه من 80 درجة مئوية الى درجتين مئويتين ليس بالأمر السهل خاصة اذا حدث بشكل مفاجئ!
مصادر آيلة للنضوب
واذا كانت المصارد المائية الحرارية تعتبر بمثابة الجنة لعدد كبير من الكائنات البحرية، الا انها جنة مؤقتة، اذا يكفي ان يقع زلزال خفيف حتى يؤدي بالمصدر الى الانقلاب أو الاختفاء كليا تحت الركام، ولذا فإن هذه المصادر لا تبقى لأكثر من 10 سنوات الأمر الذي يدفع الكائنات البحرية كي تهاجر الى اماكن اخرى بعيدة بحثا عن مصدر جديد بغية تأمين ما تحتاج من غذاء والسؤال الذي يمكن ان يطرحه البعض، يتمثل بمدى قدرة بعض الكائنات الصغيرة كالمحار والاصداف على التنقل لمئات الكيلو مترات في بعض الاحيان كي تصل الى مصدر مائي حار، وهو ما يعتبر أمرا صعبا نظرا لعدم توفر الكمية اللازمة من الغذاء اثناء رحلتها، وفي هذا الصدد عكف خبير المحيطات البروفسور كريج سميث في جامعة هاواي على الموضوع وأتى بفكرة جديدة ربما تفسر لنا التساؤل السابق.
يقول سميث: “لاحظت انه بعد مرور سنوات عدة على نفوق احد الحيتان الكبرى وهبوطه بالكامل الى اعماق المحيطات، نجد ان ما تبقى من عظام مغمورة تحت الرواسب يؤدي الى ظهور جيل جديد من الحيوانات البحرية القريبة من تلك التي تظهر عند مصادر المياه الحارة، واستنتج سميث ان تفتت عظام الحيتان في غياب الاكسجين “خاصة عندما تكون مطمورة”، تنتج بدورها غاز الاكسجين الضروري للحياة في تلك الاعماق البعيدة.
علماء يكشفون لغز ارتفاع درجة حرارة أعماق المحيطات
التغير في درجات الحرارة كبير ليس من حيث الكم وانما من حيث الامتداد الى أعماق كبيرة مما يضيف الى ارتفاع مستوى مياه البحار وقد ينذر باثار أكبر على البشر والكوكب.
و العلماء غير متأكدين بعد مما اذا كان ارتفاع درجة الحرارة ناجما عن التغير المناخي الا أنهم يسعون جاهدين لمعرفة المزيد عما يحدث.
ذلك لان مستوى الطبقة التي تبدأ على عمق كيلومترين تقريبا من سطح المحيطات تشكل حوالي نصف المحيطات في العالم وتلعب دورا حيويا في تنظيم المناخ على كوكب الارض.
قال ستيف رينتول عالم المحيطات في هيئة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية وهي هيئة للعلوم والابحاث تدعمها الحكومة الاسترالية “قبل عشر سنوات أو نحو ذلك كانت الصورة في أذهاننا أن المحيطات العميقة مستقرة الى حد كبير وأن الامور فيها لا تتغير كثيرا.” “ما تغير في العقد الاخير من الزمن هو أننا بدأنا مراكمة مقاييس كافية لاظهار أن هناك تغيرات واسعة النطاق تحدث في المحيطات العميقة. وأن تلك تتضمن حقيقة ارتفاعا ملحوظا واسع النطاق لدرجات الحرارة في المستويات الاعمق للمحيطات.”
والمياه تتمدد مع ارتفاع درجة حرارتها ويعد هذا الى جانب ذوبان الانهار الجليدية والقمم الجليدية للجبال قوة رئيسية وراء ارتفاع مناسيب المياه في البحار.
ويرتفع مستوى المياه في البحار بمعدل ثلاثة ملليمترات سنويا في المتوسط ولكن بعض الدراسات تشير الى أن البحار سترتفع بمقدار يصل الى متر بحلول عام 2100 مما يغرق السواحل الواطئة.
ويضيف ان “الجانب المتعلق بتخزين الحرارة مهم لانه على مدى السنوات الخمسين الماضية فان أكثر من 90 في المئة من الحرارة الزائدة المخزنة في الارض توجد الان في المحيطات. وتستوعب أعماق المحيطات ما يصل عشرة الى 20 في المئة من هذه الحرارة المخزنة.
وجرى تسجيل أكبر ارتفاع لدرجة الحرارة في أعماق المحيطات بالقرب من القارة القطبية المتجمدة الجنوبية وفي شمال المحيط الاطلسي.
اما جريجوري جونسون وهو عالم محيطات في الادارة الوطنية الامريكية للمحيطات والغلاف الجوي “نشهد ارتفاعا في درجة الحرارة. ونشاهد هذا النمط منذ عقد أو عقدين من الزمن.” وان معدل ارتفاع درجة الحرارة الذي تمت ملاحظته في المستويات العميقة في المحيط الجنوبي بين استراليا والقارة القطبية الجنوبية كان حوالي 0.03 درجة مئوية كل عشر سنوات.
و يقول “انه قدر صغير جدا على ما يبدو ولكنه في الواقع استيعاب لقدر هائل من الطاقة... انه يعادل اطلاق حوالي أربع قنابل من النوع الذي أطلق على هيروشيما.”
والعينات التي أخذت من بعض المناطق مثل المحيط الجنوبي أكثر من العينات التي أخذت من غيرها. وما وجده العلماء مثير للقلق.
فالمحيطات “مخزن” رئيس للكربون وتمتص كمية كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الغاز الرئيس المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري بما في ذلك حوالي ربع الغاز المنبعث من الانشطة البشرية.
وتخزن المحيطات كمية من غاز ثاني أكسيد الكربون تعادل 50 مثلا للكمية التي يتم تخزينها في الغلاف الجوي ومعظمها يخزن في المستويات الوسيطة الى العميقة من مياه المحيطات.
ويحاول العلماء في الوقت الحالي تسريع عمليات القياس لمعرفة ما اذا كان الانسان قد أيقظ وحشا في الاعماق.
وقال رينتول وجونسون ان ثمة حاجة لاجراء مزيد من الدراسات لتحديد ان كانت هناك أي صلة مباشرة بالتغير المناخي.
وقالت سلويان في تلخيص للموقف “يقال ان معلوماتنا عن كوكب المريخ تعادل اضعاف ما نعرفه عن المحيطات العميقة. وهي حقيقة صحيحة تماما.”
اعداد ـ ملحق علوم وتقنيات
البحار والمحيطات تشكل ما يقرب من ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، والمفاجأة اننا نعرف عن أعماقها أقل بكثير عن ما نعرفه عن الفضاء الخارجي. في مملكة أعماق المحيطات تسود ظروف لا تسمح بتواجد بشري فيها،
إذ يزداد الضغط ليصل إلى 500 بار زئبقي، وتنخفض درجة الحرارة لتصل إلى بضع درجات مئوية، كما يخيم ظلام دامس. وبالرغم من ذلك تتفتح الحياة في هذه الظروف، فلقد أثبتت أبحاث سابقة وجود حيوانات بحرية دقيقة وسرطانات صغيرة معظمها غير معروفة على سطح الأرض.
متد أعماق المحيطات على مساحة مئات الكيلومترات المربعة من الطمي الرخو. وفي هذا الطمي تغوص جثث الحيوانات البحرية الميتة أو الأعشاب المائية والمرجانية وكل ما يُلقى على سطح البحر. وهناك تتحلل الجثث بواسطة كائنات دقيقة لا يزيد طولها عن ميليمترات ومعظمها أعمى وبدون ألوان. وبعض هذه الكائنات الدقيقة يشبه العناكب أو البراغيث، وبعضها الآخر له ما يشبه الزعنفة التي تساعده على إزاحة الطمي. كذلك توجد أنواع منها مجهزة بأذناب مدببة وأنواع أخرى تشبه نجم البحر.
وبرغم الجو الذي يسود في الأعماق فإن لها أهمية كبرى في استمرار الحياة على كوكبنا. فعن طريق تحليلها لما تلقيه الأنهار في البحار والمحيطات تحرر مواد عضوية نافعة وتطلقها لتحملها تيارات الماء إلى السطح فتتغذي عليها الأسماك والأعشاب البحرية. وهكذا فهي تسهم في استمرار الدورة الغذائية على كوكبنا. وقد لاحظ العلماء غزارة الحياة السمكية والبحرية في المناطق التي تتواجد فيها هذه الكائنات الدقيقة، كما هو الحال أمام سواحل أسبانيا الشمالية وناميبيا وبيرو. ويحذر العلماء من تأثير إلقاء المخلفات الكيميائية في البحر على وجود مثل هذه الكائنات الدقيقة.
شلالات ماتحت البحار
ان الاختلاف في درجة حرارة مياه المحيطات والتفاوت في ملوحتها وكثافتها، يشير الى ان عمود الماء في المحيط ليس متجانسا ولكن يعكس اختلافات جوهرية في كتلة المياه بين طبقة واخرى. والاتصال بين الطبقات مختلفة الكثافة يكون غالبا بالقرب من سطح الماء، والتي تكون مناطق انحدارات حرارية او ملوحية.
وتتدخل طبوغرافية اعماق المحيط في حجز كتل المياه التي تتباين في كثافاتها، كما تعمل الجبال على اليابسة بصد الجبهات الهوائية والسحب. وقد ينتج عن هذه الحالة تكون شلالات مائية في اعماق المحيطات، حيث تتكدس المياه ذات الكثافة العالية في جهة معينة من المصدات (الجبال) على ارض المحيط، وتشكل سدا كبيرا جدا يحجز المياه فيه الى ان يصل الى اعلاه، وتنحدر في الجهة الاخرى كشلال كبير لا يمكن تصوره. فالمصد الواقع في المحيط الاطلنطي والذي يقع في مضيق الدنمارك يعمل على حجز المياه الباردة (درجتين مئويتين) ما يؤدي بعد ذلك الى تدفقها بمعدل خمسة ملايين متر مكعب في الثانية ومن علو يبلغ 3.5 كيلومترات ونصف الكيلو. وهذا التدفق الرهيب يجعل جميع الشلالات المعروفة على اليابسة كما لو انها قطرة ماء. حيث ان اعلى شلال على الارض يسمى شلال انجل في فنزويلا، الذي يسقط الماء منه من علو 1 كم. اما شلال جويرا الواقع بين البرازيل والباراغواي، الذي يتسم باعلى معدل لسقوط المياه، فتتدفق فيه المياه بمعدل يصل الى 13 الف متر مكعب في الثانية فقط.
عجائب في أعماق المحيطات
في أعماق المحيطات يخيم جو من الظلام الدامس والحرارة المنخفضة التي لا تتجاوز الدرجتين فوق الصفر، ويبلغ الضغط حداً يشعر المرء انه يحمل 600 كيلوجرام فوق كل سنتيمتر مربع من جسمه! ومن هنا يعتقد المرء للوهلة الاولى ان الحياة في هذا العالم تبدو مستحيلة! ولابد لنا قبل الغوص في اعماق ذلك العالم، ان نعرج على الطبيعة الجيولوجية التي تتوارى عن اعيننا، فعلى عمق اكثر من 4000 متر تحت سطح البحر يقابلنا قاع المحيط المليء بالصدوع التي يصل طول بعضها الى اكثر من 550 كيلومتراً وبالتلال والمسطحات وبعدد لا حصر له من البراكين الى درجة ان بعض هذه البراكين خرق سطح البحر ونافس في ارتفاعه البراكين القارية، كبركان مونا لويا في هاواي الذي يزيد ارتفاعه على 9100 متر.
الشيء المثير للدهشة والعجب ان ثمة سلاسل جبلية يصل ارتفاعها تحت قاع المحيط الى 2500 متر في حين يصل عرضها الى مئات الكيلومترات اما طولها فيبلغ 60 الف كيلومتر. وفيما يتعلق بالحفر التي يصفها بعض العلماء بأبواب جهنم، فتمتد في الاعماق الى مستوى يصل الى 11 الف متر تحت قاع المحيط كحفرة ماريان الواقعة في المحيط الهادي.
في هذا العالم متعدد التضاريس، تعيش طائفة من الكائنات البحرية التي يصفها البعض بالوحوش نظرا لاشكالها الغريبة والمخيفة في بعض الاحيان، وأول هذه الكائنات نوع من الأسماك يسمى بالخرافة وهو اسم يتناسب بلا شك مع المكان الخرافي الذي تعيش فيه، والخرافة جنس من الأسماك تتميز بلونها الفضي وذنبها المستطيل وعيونها الواسعة وتكثر الخرافة بين اعماق تتراوح بين 200 و1000 متر أي في اعماق يقل فيها ضوء الشمس ويشير العلماء الى ان عيون الخرافة مكونة بطريقة تجعلها تلتقط أقل شعاع ممكن من الضوء، وهي بفضل عيونها تستطيع التقاط الأسماك الصغيرة والديدان علاوة على انها لا تتحرك في المياه بل تثبت في مكانها وتحرك زعانفها فقط كأجنحة الطيور!. أما الكائن البحري التالي فليس اسمه اقل غرابة من الاول، اذ يسمى عفريت البحر، وهذا النوع معروف بكبر حجم الرأس والجسم معا، ولو تعرض العفريت لنقص في الغذاء، فيلجأ بسرعة للحيلة، فهو يملك عصا (صنارة صيد) طبيعية في مقدمة أنفه ويوجد في قمة هذه الصنارة الطبيعية زائدة لحمية محشوة بنوع من البكتيريا المضيئة التي تستخدم في العادة كطعم للايقاع بالفريسة اذ يكفي ان تقترب هذه حتى تنتهي في فم السمكة العفريت المليء بأسنان مسننة حادة جدا، المدهش في الامر ان طول هذه السمكة لا يتعدى العشرين سنتيمتراً.
وحش آخر متخصص في فن التخفي يسمى بالسمك اللامع، ويتميز هذا النوع، بامتلاكه القدرة على ضبط شدة الاضاءة الصادرة عن جسمه وذلك بسبب امتلاكه اعضاء تنتج الضوء، ويعيش السمك اللامع في اعماق تتراوح بين 300 و1000 متر تحت سطح البحر اي في المنطقة التي تبدأ فيها اشعة الشمس بالتلاشي. ومن هنا نجد هذا السمك يستطيع ضبط الضوء الصادر من جسمه بطريقة تجعل الأسماك الاخرى المفترسة غير قادرة على التعرف عليه باعتباره مجرد نور عادي منعكس من السطح!.
طعام الأعماق
وربما نتساءل عن الطريقة التي تتغذى بها الكائنات البحرية التي تعيش في الاعماق، وفي هذا الصدد نجد ان النباتات البحرية تأتي في قاعدة الهرم الغذائي وذلك بفضل عملية التمثيل الضوئي التي تساهم بشكل اساسي في تكوين ما يسمى بالعوالق النباتية (الفيتوبلانكتون) ونظرا لاحتواء هذه العوالق الميكروسكوبية على مادة الكلوروفيل بنسبة كبيرة، فإن التقاطها للضوء يساعدها على تحويل الماء والاملاح المعدنية وثاني أكسيد الكربون الى جزيئين ضرورين للحياة هما الاوكسجين والجزئيات العضوية (السكر والاحماض الأمينية والاحماض الدهنية) وتستخدم النباتات هذه الجزيئات لتكوين غذائها الخاص الذي سيتم استخدامه فيما بعد من قبل الحيوانات، اما الاوكسجين المحرر في الماء فإنه يسمح لمجموعة الكائنات البحرية بالتنفس.
واحات البحرية
تشبه الى حد بعيد الواحات الصحراوية، لكنها هنا عبارة عن مصادر مائية حرارية تنبثق عند عمق يبلغ 2500 متر ويقول العلماء طبقا لدراساتهم ان المادة الحية عند هذه الاعماق تزيد على 10 الى 100 ألف مرة عما هو موجود في مكان آخر في اعماق المحيطات، وفي بعض الاحيان نجد بعضا من هذه المصادر المائية الحرارية ينبثق بقوة حتى يصل الى ارتفاعات تصل الى 20 مترا وفي هذه الحالة يطلق العلماء تعبير المأرضة او (وكر الارض الاسود) ويصف العلماء هذا الوكر بالاسود، لأن السائل المنبثق منه يكون ممزوجا بمركبات معدنية داكنة تصل الى حد السواد، وفي العادة يظهر عند حواف هذا الوكر الارضي المحيطي نوع من الحياة يضم أنواعا من المحار المعروف “بالقفالة” نظرا لانه دائم الاقفال،
وبلح البحر والديدان الطويلة والسلطعون والقشريات وعدد كبير من الأسماك.
والجدير بالذكر ان المياه المنبعثة من هذه المصادر تكون في العادة حمضية ومليئة بمواد سامة كالهيدروجين المكبرت الذي تصل حرارته الى 350 درجة مئوية، ما يعني انه لا يوجد حيوان قادر على مقاومة هذه الحرارة، ولذا فإن الماء الخارج يذوب بسرعة من مياه البحر الجليدية عند تلك الاعماق وتهبط درجة حرارته الى 10 درجات مئوية فقط، وكلما ابتعدنا عن المصدر قلت نسبة السمية في الماء، الأمر الذي يجعل العديد من الحيوانات البحرية القادرة على تحمل الحرارة والسمية القليلة، ان تتخذ لنفسها وكرا للبحث عن الغذاء.
وهناك نوع من الديدان المعروفة علميا باسم “الفينيلا”، تفضل البقاء عند خاصرة المصدر المائي الساخن وذلك في المكان الذي يلتقي فيه مع المياه الباردة في المحيط حيث تكون نسبة الاكسجين والمواد السامة متغيرة باستمرار، وحتى الآن لا يعرف العلماء كائنا بحريا يستطيع تحمل الصدمة الحرارية في هذه المنطقة سوى هذا النوع من الديدان، فهبوط حرارة المياه من 80 درجة مئوية الى درجتين مئويتين ليس بالأمر السهل خاصة اذا حدث بشكل مفاجئ!
مصادر آيلة للنضوب
واذا كانت المصارد المائية الحرارية تعتبر بمثابة الجنة لعدد كبير من الكائنات البحرية، الا انها جنة مؤقتة، اذا يكفي ان يقع زلزال خفيف حتى يؤدي بالمصدر الى الانقلاب أو الاختفاء كليا تحت الركام، ولذا فإن هذه المصادر لا تبقى لأكثر من 10 سنوات الأمر الذي يدفع الكائنات البحرية كي تهاجر الى اماكن اخرى بعيدة بحثا عن مصدر جديد بغية تأمين ما تحتاج من غذاء والسؤال الذي يمكن ان يطرحه البعض، يتمثل بمدى قدرة بعض الكائنات الصغيرة كالمحار والاصداف على التنقل لمئات الكيلو مترات في بعض الاحيان كي تصل الى مصدر مائي حار، وهو ما يعتبر أمرا صعبا نظرا لعدم توفر الكمية اللازمة من الغذاء اثناء رحلتها، وفي هذا الصدد عكف خبير المحيطات البروفسور كريج سميث في جامعة هاواي على الموضوع وأتى بفكرة جديدة ربما تفسر لنا التساؤل السابق.
يقول سميث: “لاحظت انه بعد مرور سنوات عدة على نفوق احد الحيتان الكبرى وهبوطه بالكامل الى اعماق المحيطات، نجد ان ما تبقى من عظام مغمورة تحت الرواسب يؤدي الى ظهور جيل جديد من الحيوانات البحرية القريبة من تلك التي تظهر عند مصادر المياه الحارة، واستنتج سميث ان تفتت عظام الحيتان في غياب الاكسجين “خاصة عندما تكون مطمورة”، تنتج بدورها غاز الاكسجين الضروري للحياة في تلك الاعماق البعيدة.
علماء يكشفون لغز ارتفاع درجة حرارة أعماق المحيطات
التغير في درجات الحرارة كبير ليس من حيث الكم وانما من حيث الامتداد الى أعماق كبيرة مما يضيف الى ارتفاع مستوى مياه البحار وقد ينذر باثار أكبر على البشر والكوكب.
و العلماء غير متأكدين بعد مما اذا كان ارتفاع درجة الحرارة ناجما عن التغير المناخي الا أنهم يسعون جاهدين لمعرفة المزيد عما يحدث.
ذلك لان مستوى الطبقة التي تبدأ على عمق كيلومترين تقريبا من سطح المحيطات تشكل حوالي نصف المحيطات في العالم وتلعب دورا حيويا في تنظيم المناخ على كوكب الارض.
قال ستيف رينتول عالم المحيطات في هيئة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية وهي هيئة للعلوم والابحاث تدعمها الحكومة الاسترالية “قبل عشر سنوات أو نحو ذلك كانت الصورة في أذهاننا أن المحيطات العميقة مستقرة الى حد كبير وأن الامور فيها لا تتغير كثيرا.” “ما تغير في العقد الاخير من الزمن هو أننا بدأنا مراكمة مقاييس كافية لاظهار أن هناك تغيرات واسعة النطاق تحدث في المحيطات العميقة. وأن تلك تتضمن حقيقة ارتفاعا ملحوظا واسع النطاق لدرجات الحرارة في المستويات الاعمق للمحيطات.”
والمياه تتمدد مع ارتفاع درجة حرارتها ويعد هذا الى جانب ذوبان الانهار الجليدية والقمم الجليدية للجبال قوة رئيسية وراء ارتفاع مناسيب المياه في البحار.
ويرتفع مستوى المياه في البحار بمعدل ثلاثة ملليمترات سنويا في المتوسط ولكن بعض الدراسات تشير الى أن البحار سترتفع بمقدار يصل الى متر بحلول عام 2100 مما يغرق السواحل الواطئة.
ويضيف ان “الجانب المتعلق بتخزين الحرارة مهم لانه على مدى السنوات الخمسين الماضية فان أكثر من 90 في المئة من الحرارة الزائدة المخزنة في الارض توجد الان في المحيطات. وتستوعب أعماق المحيطات ما يصل عشرة الى 20 في المئة من هذه الحرارة المخزنة.
وجرى تسجيل أكبر ارتفاع لدرجة الحرارة في أعماق المحيطات بالقرب من القارة القطبية المتجمدة الجنوبية وفي شمال المحيط الاطلسي.
اما جريجوري جونسون وهو عالم محيطات في الادارة الوطنية الامريكية للمحيطات والغلاف الجوي “نشهد ارتفاعا في درجة الحرارة. ونشاهد هذا النمط منذ عقد أو عقدين من الزمن.” وان معدل ارتفاع درجة الحرارة الذي تمت ملاحظته في المستويات العميقة في المحيط الجنوبي بين استراليا والقارة القطبية الجنوبية كان حوالي 0.03 درجة مئوية كل عشر سنوات.
و يقول “انه قدر صغير جدا على ما يبدو ولكنه في الواقع استيعاب لقدر هائل من الطاقة... انه يعادل اطلاق حوالي أربع قنابل من النوع الذي أطلق على هيروشيما.”
والعينات التي أخذت من بعض المناطق مثل المحيط الجنوبي أكثر من العينات التي أخذت من غيرها. وما وجده العلماء مثير للقلق.
فالمحيطات “مخزن” رئيس للكربون وتمتص كمية كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الغاز الرئيس المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري بما في ذلك حوالي ربع الغاز المنبعث من الانشطة البشرية.
وتخزن المحيطات كمية من غاز ثاني أكسيد الكربون تعادل 50 مثلا للكمية التي يتم تخزينها في الغلاف الجوي ومعظمها يخزن في المستويات الوسيطة الى العميقة من مياه المحيطات.
ويحاول العلماء في الوقت الحالي تسريع عمليات القياس لمعرفة ما اذا كان الانسان قد أيقظ وحشا في الاعماق.
وقال رينتول وجونسون ان ثمة حاجة لاجراء مزيد من الدراسات لتحديد ان كانت هناك أي صلة مباشرة بالتغير المناخي.
وقالت سلويان في تلخيص للموقف “يقال ان معلوماتنا عن كوكب المريخ تعادل اضعاف ما نعرفه عن المحيطات العميقة. وهي حقيقة صحيحة تماما.”







No Response to "عالم لانعرف عنه الا القليل"
Enregistrer un commentaire